حمى الضنك في تعز .. تفشٍ مخيف يواجهه نقص بالخدمات المطلوبة (تقرير)(يمن فويس)

10

في منزله الموحش بفقدان فلذتَي كبده، يقطن “علاء عبده علي” (36 عاماً) في “حي المسبح” وسط مدينة تعز، بعد أن فقد طفليه، “محمد” 11 عاماً، و”مروى” 8 أعوام، نتيجة إصابتهما بحمى الضنك، وتنقَّل بين مستشفيات المدينة بحثاً عن دواء لأولاده، لكن الموت كان أسرع في الوصول إليهما.

 يقول “علاء” بحسرة: “تنقَّلت بين العديد من المراكز الطبية، كان أولها عيادة احدى العيادات الخاصة في المدينة، فذهبت إلى المستشفى الجمهوري، ثم مستشفى الحكمة، إلى أن استقر بي الأمر في “الصفوة”، ولم يطرأ أي تحسن، بل ازدادت حالتهما سوءاً يوماً بعد يوم، وفقدتهما معاً.

 مات  ابني محمد، وبعد 24 ساعة ماتت مروى.. وكانت فترة إصابتهما خمسة أيام، من 18 إلى 22 نوفمبر 2022م”.

المعركة مستمرة مع المرض

يواصل تفشِّي حمى الضنك حصد أرواح سكان مدينة تعز (جنوب غربي اليمن)، وشهدت أعداد المصابين بهذا الوباء ارتفاعاً ملحوظاً بين سكان المدينة خلال الفترة الممتدة بين أواخر العام الماضي وأوائل العام الجاري 2023م.

الطفلان محمد ومروة من بين (19) شخصاً قضوا، نتيجة تفشي حمى الضنك، بينما تجاوز عدد المصابين به أحد عشر ألفاً وتسعمائة مصاب، وفقاً لمكتب الصحة في محافظة تعز.

 تعاني المدينة من قلة المراكز الطبية المتخصصة في رعاية مرضى الحميات، وغياب شبه كامل لدور وزارة الصحة العامة وهيئاتها لمواجهة تفشي هذا الوباء.

وعبر “علاء”، والد الطفلين المتوفَّيْن “محمد ومروى” عن استيائه من سوء تعامل بعض الأطباء في المستشفيات التي زارها في المدينة لمعالجة ولديه، حيث أن اهتمامهم ينصبُّ على جني أكبر قدر من المال، في مقابل إهمال المصابين، وهذا الإهمال يؤدي إلى تفاقم حالتهم الصحية.

ويضيف: “نتيجة لذلك تكون الأدوية التي يقررها الأطباء، ويحرص كل طبيب على أن آخذها من صيدلية المستشفى، وإذا أحضرتها من الخارج يجعلونني أرجعها لكي أشتريها من صيدلية المستشفى”.

طبيعة حمى الضنك

حمى الضنك هي عدوى فيروسية تنتقل بواسطة لدغة إناث البعوض، ومعظمها من نوع “الزاعجة المصرية”، وتنتشر غالباً في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، وهي سريعة الانتشار خاصة في المناطق الحضرية الفقيرة، والضواحي والمناطق الريفية، بحسب منظمة الصحة العالمية.

ويشير تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية في شهر يناير/ كانون الثانيث الجاري 2023م، إلى ارتفاع معدلات الإصابة بحمى الضنك بشكل كبير في العالم، وتتراوح حالات الاصابة بين 100 و400 مليون حالة سنوياً، الا أن نسبة 80% من حالات الاصابة بها تتراوح بين الخفيفة وغير المصحوبة بأي أعراض.

أعراض ومضاعفات الضنك

“قد لا تظهر أي مؤشرات أو أعراض على كثير من الأشخاص، عند الإصابة بعدوى حمى الضنك، وعندما تظهر الأعراض فقد تُشخَّص بالخطأ، على أنها أعراض لأمراض أخرى، مثل الأنفلونزا، وتبدأ في الظهور، عادةً، بين أربعة إلى عشرة أيام من التعرض للدغة البعوض المعدي حتى تظهر أعراض الحمى الشديدة، والطفح الجلدي، وآلام المفاصل والعضلات”، وفقاً لـ”عبد الرحمن المليك”، أخصائي مكافحة العدوى في المستشفى الجمهوري بالمدينة، في حديثه مع الموقع بوست.

ويضيف “المليك”: نتيجة لعدم المباشرة في العلاج تتضاعف آلام المريض، لتأخذ العدوى شكل حمى الضنك النزفية التي تؤدي إلى نزيف دموي وانخفاض مفاجئ في ضغط الدم والصفائح الدموية، الأمر الذي قد يؤدي إلى الوفاة في بعض الحالات.

ويشير إلى أن علامات حمى الضنك تتمثَّل في نقص كريات الدم البيضاء والصفائح، ونتيجة لنقص الصفائح تظهر علامات النزيف، وهي علامات خطيرة تظهر على شكل كدمات سوداء أو رُعاف خفيف من الأنف.

وينصح “المليك” – في حالة الإصابة بالعدوى – بتجنُّب استعمال كل أنواع المهدئات مثل “الفولتارين” والـ “إيبوبروفين”، لأنها تقوم بخفض كريات الدم البيضاء والصفائح، ما يؤدي إلى استفحال النزيف، لذا من الأفضل الابتعاد عنها قدر المستطاع، مشيراً إلى أن الـ المسكنات “باراسيتامول” بكافة أنواعه آمن، ويعدُّ أفضل الخيارات المتاحة لعلاج تلك الأعراض.

وبسبب زيادة أسعار الأدوية وعدم قدرة بعض السكان على شرائها قد يلجأ المريض لاستخدام الأعشاب الطبية، أملاً في تخفيف أعراض الإصابة.

  ويقول المليك: “لا نقلل من أهمية الأعشاب الطبية، لكن المشكلة أن الأعشاب المتواجدة في السوق عشوائية لم تُجْرَ عليها دراسات”. لافتاً إلى أن “الأعشاب قد تصيب أحياناً وقد تُخطئ، وقد تؤدي إلى كوارث، والأفضل في هذه الحالات الذهاب إلى الطبيب”.

أسباب تفشي الضنك

من جانبه، عزا تيسير السامعي المسؤول الإعلامي في مكتب الصحة بمحافظة تعز لـ”الموقع بوست” ارتفاع عدد المصابين بهذا الوباء إلى عدم وجود مراكز طبية متخصصة بالحميات، وبالتحديد حمى الضنك، حيث تحدث الكثير من الوفيات بسبب المعالجات الخاطئة، لأن وجود المراكز سيحدُّ من عدد الوفيات، ويقدم خدمة علاجية سليمة للمصابين.

وأضاف: “قمنا بمطالبة وزارة الصحة لتقديم الدعم اللازم من أجل توفير مراكز متخصصة للحميات في المدينة، ولكنهم لم يستجيبوا لنا، وتجاهلوا الأمر”.

وعلل أن مكتب الصحة ليس باستطاعته مواجهة هذه الكارثة الصحية بمفرده، بل يجب أن تكون المسؤولية مشتركة بين مكتب الصحة وصندوق النظافة والتحسين ومكتب النقل والمواطن، لأن تجنُّب المواطن للدغات البعوض سيحد من انتشار الوباء.

 ودعا “السامعي” الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً إلى توفير الدعم لسكان محافظة تعز، بالإضافة إلى منظمة الصحة العالمية، من أجل المساعدة على احتواء الوباء والحد من انتشاره.

أخطاء طبية

أُسعف “سام البحري” (28 عاماً) إلى مستشفى الثورة بمدينة تعز عند إصابته بالعدوى، اضطر لانتظار حضور الطبيب المناوب لمدة عشرين دقيقة في قسم الطوارئ بالمستشفى حتى وصول الطبيب.

وقال إن البيئة الداخلية للمستشفى لم تكن نظيفة بما يمنع من تفشي الأمراض، حيث شاهد وجود البعوض في صالة الانتظار، الأمر الذي يهدد بخطر نقل العدوى من مريض إلى آخر.

تشخيص خاطئ كاد يؤدي بحياة سام الى الأبد

ووفقاً لما قاله “البحري” – في حديثه لـ”الموقع بوست – فإن حالته الصحية لم تتحسن، ما دفعه لزيارة أكثر من طبيب، دون جدوى، وفي كل زيارة يتحمل تكاليف الفحوصات والعلاجات المكررة.

وأضاف: “في اليوم الثالث من الإصابة أخبرني أحد الأصدقاء بوجود طبيب متخصص في علاج الضنك، لكنه لا يعالج في عيادة خاصة وإنما في منزله، وعند وصولي إليه عمل لي مغذية، “محلول وريدي” سعرها (30) ألف ريال، وأخبرني بأنه ستظهر عليَّ مضاعفات، مثل ارتفاع الحرارة وإصابتي بـ “فهقة” (شهيق متقطع مصاحب لصوت مسموع)، وهذا ما حدث.

وأوضح أنه بعد ذلك تعرضت حالته الصحية لانهيار مفاجئ، وانتقل إلى مستشفى آخر فقرر الأطباء له الرقود نتيجة إصابته بارتفاع في الضغط والسكر وهبوط الصفائح الدموية، وبدأ جسمه بالتورُّم نتيجة تجمُّع سوائل حول الرئتين.

بعد أن كان مصابا بالضنك أصبح مصابا بعدة أمراض وقرر له الأطباء الرقود

يقول “هزاع القدسي”، طبيب معالج في مستشفى الروضة بمدينة تعز لـ”الموقع بوست” عند حقن المريض في وريده، خاصة في المنطقة السفلى من اليد، تتسرب الأدوية إلى الجسم عبر تلك الوخزات، وقد ينتج عنها تكوُّن سوائل في مناطق مختلفة من جسم المصاب.

ويضيف ” القدسي” معلقاً على حالة “سام البحري” قائلاً: “تعرَّض سام لوخزات كثيرة في أوردته، ونتج عنها وجود سوائل حول رئتيه بسبب تسرب الأدوية إلى جسده”.

إهمال طبي

رداءة الخدمة الطبية في مستشفيات مدينة تعز أودت بحياة بعض المصابين، فـ”عبدالرحمن علي”، 30 عاماً، أُسعف إلى المستشفى الجمهوري بمدينة تعز، وهو مصاب بحمى شديدة، وعند وصوله إلى قسم الطوارئ لم يكن الطبيب المناوب متواجداً، وكان هناك ممرضون قاموا بإعطائه إسعافات أولية فقط، وفي اليوم التالي بعد تشخيص مرضه كانت حالته الصحية قد تدهورت، بحسب ما روى لنا شقيقه عبدالله.

وتابع قائلاً لـ”الموقع بوست” “بعد أن ازدادت حالته سوءاً أصبح يعاني من ضيق في التنفس، وبعدها فقد الوعي، فقام الأطباء بالكشف عنه وفوجئوا بأن الصفائح لديه منخفضة جداً، وبعد ذلك فارق الحياة”.

فيما أقر “تيسير السامعي”، المسؤول الإعلامي في مكتب الصحة بالمحافظة، بوجود تقصير في عملية الرقابة من قبل مكتب الصحة، بينما نفى مدير مكتب الصحة في محافظة تعز الدكتور “عبدالرحمن الصبري” تلك الادعاءات خلال حديثه مع الموقع بوست.

وأضاف: “لدينا إدارة متخصصة، وغرفة عمليات، على اتصال دائم مع المستشفيات لتتبُّع الحالات الواصلة، وهم متواجدون في المستشفيات ويقومون بإبلاغنا عن أي قصور أو اختلالات على مدار الساعة”.

وأشار “الصبري” إلى أن المكتب اتخذ الإجراءات الاحترازية لمنع تفشي الوباء، من خلال حملة رش لمكافحة البعوض الناقل للوباء في المناطق الأكثر انتشاراً وإصابة بالوباء، وهي مناطق: الضبوعة، بير باشا، والشماسي وصينة، بالإضافة إلى توعية وتثقيف السكان من قِبل العاملين في مجال الصحة.

وبخصوص الأدوية التي يقدمها مكتب الصحة في المحافظة للمستشفيات قال “الصبري” إن الكميات التي يقدمونها قليلة وغير كافية، وأنهم لا يزالون في طور البحث عن كميات أخرى خاصة بحمى الضنك والحميات الأخرى.

 وفي ظل تزايد أعداد الإصابات بحمى الضنك بين سكان مدينة تعز، وعدم تعامل السلطات الصحية مع المرض الذي يفتك بالسكان، فانه يبدو أن مأساة “علاء” والد الطفلين محمد ومروى ستتكرر مع آباء كثر في المدينة.

ملاحظة:

انتجت هذه المادة بدعم من منظمة  انترنيوز Internews ضمن مشروع Rooted In Trust في اليمن.

- Advertisement -

- Advertisement -

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.