د. محمد جميح : دردشة حول السلام في اليمن(يمن فويس)

18

كثرت البيانات الداعية للسلام في اليمن: الحكومة الشرعية تدعو للسلام، والتحالف والاتحاد الأوروبي، وغروندبيرغ وليندركينع، وحتى الحوثيون، الذين يستغلون كل هدنة من أجل التحشيد والتسليح، يطالبون كذلك بالسلام.

وبطبيعة الحال، البلد بحاجة إلى سلام بعد سنوات عجاف من الحرب كانت لها نتائج كارثية على كافة المستويات.

لكن هل هناك اتفاق بين الأطراف المختلفة على ماهية السلام المطلوب؟
هل سلام الحكومة اليمنية هو السلام الذي يسعى له الحوثي؟
وما هو السلام المطلوب للفئات الشعبية؟
وما هو السلام المطلوب للمصالح الدولية والإقليمية؟

وماذا عن رؤية الأمم المتحدة؟
ما هي آليات هذا السلام؟ وما وسائل تحقيقه على الأرض، وإنزاله من مستوى الشعار إلى مستوى التطبيق، وما مدى قدرة رؤى ووسائل نبتت في سياقات دولية: ثقافية واجتماعية مغايرة على اجتراح سلام في مجتمع مختلف ثقافياً واجتماعياً؟

أسئلة كثيرة تحتاج إلى توقف وفحص من قبل مختلف الأطراف الداعية للسلام.

قبل حوالي أربعة أشهر أعلن عن هدنة وافقت عليها جميع الأطراف لمدة شهرين، يتم خلالها فتح مطار صنعاء إلى عمّان والقاهرة، وميناء الحديدة بشكل أوسع، ويتم رفع حصار الحوثيين عن تعز، بالإضافة إلى وقف جميع العمليات العسكرية الداخلية وعبر الحدود، مشت الأمور على ما يرام، لكن الحوثيين يرفضون رفع الحصار عن تعز.

انتهت مدة الشهرين، وتم تمديد المهلة لشهرين آخرين، وهاهي الشهور الأربعة على وشك الانتهاء، مع مطالب بتمديد الهدنة.
لا شك أن الهدنة مهمة، حيث تنفس المواطنون الصعداء، ولو بشكل محدود، إذ نغصت الخروقات وألغام الحوثيين عيشة ملايين اليمنيين، ناهيك عن الغلاء وانقطاع المرتبات والخدمات ومنغصات أخرى كثيرة.
لكن الهدف من الهدنة المتمثل في الذهاب إلى مائدة مفاوضات ما لم يتم خلال الشهور الماضية، الأمر الذي يبدو من خلاله أن الهدنة في حد ذاتها أصبحت هي الهدف بعد العجز عن إقناع الحوثيين بالدخول في مفاوضات حل نهائي.

وفي سياق الحديث عن الهدنة، هنا بعض الملحوظات:

الأولى تكمن في تحول استراتيجية الأهداف من إحلال السلام الدائم والشامل إلى تجديد هدنة الشهرين كلما انتهت..

والثانية تتركز حول مخاطر تجديد الهدنة دون أفق سياسي، حيث يكرس ذلك واقع التقسيم على الأرض، وذلك باحتفاظ كل طرف من الأطراف الداخلية بما تحت يده من إمكانات وأرض وموارد بشرية ومادية، وهو ما يؤسس، لا لتشطير البلاد كما كانت عليه قبل عام 1990، ولكن لتشطير المُشطّر إن جاز التعبير. وهنا يتم الدفع بالصراع إلى داخل البر اليمني، بعيداً عن السواحل والممرات المائية التي تطل عليها الجغرافيا اليمنية، ثم تدخل البلاد بموجب ذلك التكتيك مرحلة «الحرب المنسية» حيث يستمر الصراع غير المؤثر على المصالح الدولية المتمثلة في «الملاحة الآمنة» في حين يدفع اليمنيون ضريبة تلك الحرب، مع دفع أخبارها بعيداً عن العناوين الرئيسية، إلا فيما يخص الوضع الإنساني، ومكافحة الإرهاب.

والثالثة تتعلق بتركيز واشنطن على الهدنة بغض النظر عن الذهاب لمفاوضات سلام، لأن ذلك النهج يرفع الحرج «الإنساني» من جهة، ويقدم ورقة رابحة للديمقراطيين الذي يريدون أن يجترحوا نجاحاً مهماً في الشرق الأوسط، بعد سلسلة من الإخفاقات على مستوى الصراع العربي الإسرائيلي والملف النووي الإيراني وغيرهما، وبالتالي فإن التركيز على إدارة الأزمة في اليمن بدلاً من حلها مناسب للإدارة الديمقراطية، بعد أن أصبح الوضع في اليمن ورقة مزايدة في السجالات الانتخابية الأمريكية بين الحزبين الكبيرين.

متى بدأ التأسيس لهذه التداعيات؟

تم ذلك في اتفاق استوكهولم، وهو الاتفاق الذي أسس لعدد من الخطايا، لعل في مقدمتها أن المجتمع الدولي عمد إلى الانتقال من «الحل الشامل» إلى «الحلول الجزئية» حيث أسس الاتفاق لحل مزمن ومخصص لجزء من الجغرافيا اليمنية في الساحل الغربي للبلاد، وكانت تلك هي الخطوة الأولى في طريق طويل أفضى إلى التنازل عن الحل الشامل لصالح حل جزئي لم يتم تطبيقه على الأرض، لا جهة انسحابات الحوثيين، ولا نزع الألغام وفتح الممرات، ولا تحصيل إيرادات ميناء الحديدة لصالح مرتبات الموظفين، ولا رفع حصار تعز، ولا أي من بنود اتفاق استوكهولم، ثم تم تأجيل تنفيذ الاتفاق إلى أجل غير مسمى، قبل أن تطوي حروب الحوثيين على مأرب والجوف والبيضاء والضالع ومدن الساحل الغربي صفحة ذلك الاتفاق.
أما الخطيئة الثانية التي أسس لها استوكهولم فهي اختصار الأزمة في البلاد في جوانبها الإنسانية، بغض النظر عن الجذر السياسي للأزمة المتمثل في انقلاب الحوثيين الذي تسبب في الحرب وما نتج عنها.

- Advertisement -

- Advertisement -

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.